مجد الدين ابن الأثير

المقدمة 13

النهاية في غريب الحديث والأثر

الله على ولطفه بي أن حببه إلى ، فبذلت الوسع في تحصيل ما وفقت له من أنواعه ، حتى صارت في قوة الاطلاع على خفاياه وإدراك خباياه . ولم آل جهدا - والله الموفق - في إكمال الطلب وابتغاء الأرب ، إلى أن تشبثت من كل بطرف تشبهت فيه بأضرابي ، ولا أقول تميزت به على أترابي . فلله الحمد على ما أنعم به من فضله وأجزل به من طوله . . . " ( 1 ) . وقال ياقوت : " كان عالما فاضلا وسيدا كاملا ، قد جمع بين علم العربية والقرآن والنحو واللغة والحديث وشيوخه وصحته وسقمه ، والفقه ، وكان شافعيا " . وفي الشذرات : " قال ابن خلكان : كان فقيها محدثا أديبا نحويا ، عالما بصنعة الحساب والإنشاء ، ورعا عاقلا مهيبا ذا بر وإحسان " ( 2 ) . وهكذا لم يترك أبو السعادات بابا من أبواب المعرفة إلا ولجه ، ولا نافذة من نوافذ الثقافة إلا أطل منها ، حتى اكتملت له شخصية علمية ناضجة ، غنيت جوانبها وأثرى إنتاجها . ومجد الدين يقول الشعر - مقلا - على طريقة العلماء ، ولكن له بعض مقطوعات تشف عن حس أدبي رهيف . قال ياقوت : " حدثني عز الدين أبو الحسن قال : حدثني أخي أبو السعادات - رحمه الله - قال : كنت أشتغل بعلم الأدب على الشيخ أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان النحوي البغدادي بالموصل ، وكان كثيرا ما يأمرني بقول الشعر ، وأنا أمتنع من ذلك ، قال : فبينا أنا ذات ليلة نائم رأيت الشيخ في النوم وهو يأمرني بقول الشعر ، فقلت له : ضع لي مثالا أعمل عليه ، فقال : جب الفلا مدمنا إن فاتك الظفر * وخد خد الثرى والليل معتكر فقلت أنا : فالعز في صهوات الخيل مركبه * والمجد ينتجه الإسراء والسهر فقال لي : أحسنت ، هكذا فقل ، فاستيقظت فأتممت عليها نحو العشرين بيتا . " وحدثني عز الدين أبو الحسن قال : كتب أخي أبو السعادات إلى صديق له في صدر كتاب والشعر له :

--> ( 1 ) جامع الأصول 1 / 12 . ( 2 ) هذا النقل لم تجده في وفيات الأعيان المطبوع .